مراثي لشهيدٍ هزم الموت القائد يوسف كوة مكي، حاملاً نعشه نحو القبر
أحمد يعقوب
“ما أوسع الثورة، ما أضيق الرحلة، ما أكبر الفكرة، ما أصغر الدولة …!!” مريد البرغوثي”
مدخل لبابٍ موآرب بحمى الفصول والثّورة والبحث عن الذّات:
هكذا كان موته في بلاد الفرنجة في مستشفي نوريتش ببريطانيا التي كانت تقود حربها في ( تُلشي). لحظة كان قائدنا الاستاذ يوسف كوة مكي يطلق صرخته الأولى في العام 1945 ، الرجل الذي سطر إسمه على دفاتر الثورة بقلم من نور ورصاص ووفاء للبلد الذي أحبه ، الرجل الذي خرج من ( قرية الأخوال) في منطقة ميري ليكون رمزاً لكل الثائرين في سوداننا
يقول الشاعر الإثيوبي ايسجاي جاير مدهين
أبحث عن ملجأ في صدر
عالم عليل
يظل إلى الأبد
فريسة لنواحي قصورنا
وقد ركزتها في بؤرة الفصول الضيقة
للنهايات الخاصة
تمتهن القضايا الاكبر شأناً
التي مات ورثة الماضي في سبيلها
لكي تظل متوفرة
تدفع المبادئ
في سبيل آلهة من صفيح
على حساب الآمال المنكوبة
المرتعبة من الموت الكُلّي
على خلاف الأيام القديمة الصعبة
حينما كان الكثيرون ذوي عقيدة
أما الآن ، فيؤثر المرء أن يتحرك نصف ميت
بين ظلال حقبة مقضي عليها
(1)
كان ذلك في العام 1945 حين هب نسيمٌ باردٌ على القرية التي ترقد كعروسٍ على سفوح الجبال الخضراء ، تجمّعت الغيوم في أعلى أرخبيل منطقة ميري ، بدا البرق ينذر بهطول أمطار ٍ سوف لن تشهد قرية (الاخوال) مثلها مرة أخرى، خرج كبير الكجرة من قطيته المعروشة بحشائش السافنا الغنية ملتحفاً ردائه الأحمر حاملاً على كتفه مخلاة بها ما تركه الأسلاف، نظر إلى أعلى ثم انفرجت أساريره ، تمتم ببعض التعويذات ثم أخرج حبات الذرة من مخلاته ونثرها في الفضاء، قائلاً لنفسه بعد أن تحدث مع الأسلاف ” مباركةٌ البطن التي تحملك”. في الاثناء كانت قرية ( كُجُر الشعبية) تحتفل بمقدم فصل الخريف حيث خرجت القرية عن بكرة أبيها ترقص رقصة المطر مثلما يفعل اللاتوكا في جنوب السودان حيث لديهم رقصة خاصة عن المطر ، كان مك ( الاُطورو) يجلس في مقدمة حلقة الرقص ورجليه تتحرك وفق إيقاع ( النجانقو) ،في قرية السرف محلية امدورين كان بعض المصارعين يرقصون ( المردوم ) وانتظمت بعض القبائل الاخرى في رقص ( الكمبلا) ، أما الجبال الغربية بكل قبائلها فكان الكرنق كأنه السماد الذي يخصب الارض ،ضحك الكجور عندما علم أن الفنان محمود عبد العزيز سوف يأتي في يومٍ ليغني “تعبت خلاص من الغرام توبة *شوف الزمن ساقني مشيت جبال نوبة* قابلت لي ظبية سموها زنوبة *شالت خلاص قلبي حبيتا زنوبة *حبيتا زنوبة زنوبة زنوبة …..* عيونا زنوبا تشبه عيون الريل *في المشية تتنا خلت قليبي يميل *شالت خلاص قلبي وحبيتا زنوبة.
وعندما همس الأسلاف للكجور أن البيت الآتي سيرقص عليه كل السودان ، رفع الكجور رجله اليمنى ودخل حلبة الرقص وهو متوشحاً بايقاع” يوم في عز الليل … صوت الكرن جاااااااني *مشيت للحفلة لقيتا زنوبة *داير أقول ليها أحكيلا عن ريدي *داير أقول ليها أحكيلا عن حبي وعندما وصل لهذا البيت “شعرت برعشة طار الكلام مني” خُيِّل إليه أنه شعر برعشة مما جعل دقاته على الأرض تتسارع .
(2)
استلقت قرية ( الأخوال) على السفوح الخضراء في انتظار مقدم الصبي المعجزة الذي سوف يقوم بفعل العجائب في أرض الذهب ويخلص الشعب ويسطر إسمه في تاريخ السودان، بدأت زخات المطر تنشد تراتيل إراواء الأرض ، قال الكجور ” لقد تم هزم الانجليز في تلشي” قالت القابلة التي أتت بادواتها البدائية والتي تنتظر أن يدفأ الماء الموجود على ( اللداية) ” سوف أذهب لا أظن أن الطفل يحتاجني في المساعدة على الخروج” قالت روح الأسلاف ” يا زينب يا أم يوسف لا تخافي ولاتحزني انّا معك”، قالت الجبال ” سوف تشهد هذه البلاد ثورات وثورات ” ، قال عصفورٌ ملونٍ هرب من زخات المطر وحطّ على شجرة ( سدرٍ) سوف أغني وانشد لحناً سرمدياً وفزع الناس عندما سمعوا العصفور يزقزق بلحنٍ بدأه بـ” بطل النوبة يوسف كوة سلّم شعبوا مسؤلية سودان جديد ” ولكن القرية إغتبطت وضجّت بالفرح، وقيل إن كاكا الخرساء اطلقت زغرودةٍ فغرت على إثرها افواه القرية. في تلك الليلة التي تحدث فيها الأسلاف وغنى العصفور ، نفس الليلة التي رقص فيها ( الأُطورو ) علي ايقاع ( النجانقو ) في قرية ( كُجُر الشعبية) وتوشح فيه صبيان قرية السرف المصارعين بـ ( المردوم) ورقص كجور الجبال الغربية على ايقاعات ( الكرنق) ولد القائد يوسف كوة مكي مُباركاً من الأسلاف والقبائل والأمطار والجبال ودواب الأرض وموشحاً برداء الثورة ، نظر إلى الأعلى وهو يدرك أن كتابة تاريخٍ مجيد يحتاج الى رجلٌ استثنائي وصبور ، متأملاً في مالم يقله الأب فيليب عباس غبوش( على هذه الصخرة ستستمر الثورة ويتواصل النضال) ورأى في أُفُقه أن الأب غبوش يشير إلى كتفه.
(3)
لقاءٌ لابد منه ( د. جون قرنق والاستاذ يوسف كوة )
عصراً كان ابن دمبيور يتأمل الغابات الخضراء التي تلف الجنوب الحبيب ويخطط لوضع بعض الاستراتيجيات حول المعركة القادمة نظر إلى الأفق ورأى سرباً من الطيور وهي راجعةٌ إلى اعشاشها، لمح من على البعد رجلاً يسير وقد اضناه التعب، وضع رجليه داخل طست الماء البارد وفتح كتاباً للشيخ انتا ديوب ( الامم الزنجية والثقافة) واخذ يقرأه بتوءدة ، في الاثناء كان الاستاذ يوسف كوة المبعوث من تنظيم الكمولو تتحسس قدميه أرض الجنوب العذراء قطع الآف الأميال سيراً على قدميه وعندما بلغ به التعب مبلغاً افترش الارض والتحف السماء وتوسد ثمار المانجو والباباي وليزيل الرهق انشد :
معذرة والف معذرة ياإخوتي
لصراحتي لجراءتي
رغم ديني وثقافتي
أنا نوبي أنا زنجي
رغم ماضي بني جلدتي
أنا إفريقي وتلك أصالتي
إفريقيتي منقوشة في قرقدي
مرسومة على شفتي
تنطق بها بشرتي
إفريقيتي في وقع خطواتي
في حرارة كلماتي في عمق ضحكاتي
معذرة والف معذرة ياإخوتي
لصراحتي لجرأتي
فانا رغم بيع جدي ورغم بيع جدتي
رغم تخلفي ورغم سذاجتي
فغداً سيأتي وأكلل بالعلم هامتي
وسأضيئ شمعتي وعلى ضوئها ابني حضارتي
وعندها امد راحتي واغفر لمن تعمد طمس هويتي
السلام والمحبة هي غايتي
كان على مقربة من مكان الدكتور جون قرنق ، الذي هبّ فجأة من مقعده الذي يشبه ( الككر) عندما سمع هذا الصوت الشجي الذي يشبه صوت (اورفيوس) ولكانما أهداه الاله ابولو حنجرة ذهبية؛ غافل ابن دي مبيور حراسه وذهب خلسة تجاه الاستاذ يوسف كوة الذي لايزال ينشد كصوفي أخذه الجذب ، وبادره قائلاً : ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﻣﻦ ﺗُﺤﺎﺭﺏ ، ﻭﻧﺤﻦ ﻧُﺤﺎﺭﺏ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺃﻫﻠﻚ ﺍﻟﺠِﻴَﺎع ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﻣﻦ ﺗُﺤﺎﺭﺏ * ﻭﻧﺤﻦ ﻧُﺤﺎﺭﺏ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺃﻫﻠﻚ ﺍﻟﻌُﺮﺍﺓ.
قال يوسف كوة الذي لم يبدو متفاجئاً : نحارب من أجل السودان من أجل اهله الجياع العراة.احتضنه دكتور جون قرنق واهداه كتاباً اسمه– ( (The Destruction of Black Civilization: The old Nubian Nations – Trick into Nuba.
(4)
عائداً إلى الأرض التي أنجبته حاملاً معه حصان طروادة:
يقول القائد يوسف كوة مكي ” ﺃﻭﻝ ﻣﺮﺓ ﺩﺧﻠﺖ ﻓﻴﻬﺎ ﺟﺒﺎﻝ ﺍﻟﻨﻮﺑﺔ ﻛﺎﻥ ﻓﻰ ﻋﺎﻡ 1987 ﺑﻌﺪ ﻋﻤﻞ ﻣﺴﺒﻖ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﺍﺧﻞ ،ﺣﻴﺚ ﻛُﻨَّﺎ ﻗﺪ ﺃﺭﺳﻠﻨﺎ ﻋﻮﺽ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻛﻮﻛﻮ، ﻭﺗﻠﻔﻮﻥ ﻛﻮﻛﻮ ﺃﺑﻮ ﺟﻠﺤﺔ ، ﻭﻳﻮﺳﻒ ﻛﺮﺓ ﻫﺎﺭﻭﻥ، ﻭﻫﻨﺎﻟﻚ ﺇﻟﺘﻘﻮﺍ ﻣﻊ ﻳﻮﻧﺲ ﺃﺑﻮ ﺻﺪﺭ ، ﻭﻗﺎﻣﻮﺍ ﺑﻔﺘﺢ ﻣﺮﺍﻛﺰ ﻟﺠﻤﻊ ﺍﻟﻤُﺠﻨﺪﻳﻦ ، ﻟﺬﻟﻚ ﺗﻤﻜَّﻨﺎ ﻣﻦ ﺩﺧﻮﻝ ﺍﻟﺠﺒﺎﻝ ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﺳﻬﻠﺔ ﺟﺪﺍً ، ﻭﻫﺬﺍ ﻛﺎﻥ ﻷﻏﺮﺍﺽ ﺍﻟﺘﺠﻨﻴﺪ،ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻭﺻﻠﻨﺎ ﻛﺎﻥ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺣﻮﺍﻟﻰ ( 1,000 ) ﺃﻟﻒ ﻣُﺠﻨَّﺪ، ﻭﺻﻠﻨﺎ ﺍﻟﺠﺒﺎﻝ ﻳﻮﻡ 25 ﻳﻮﻧﻴﻮ ﻟﻴﻼً ﺣﺘﻰ ﻧﺘﺠﻨﺐ ﺍﻹﺣﺘﻜﺎﻙ ﻣﻊ ﻗﻮﺍﺕ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ ،ﺩﺧﻠﻨﺎ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ” ﻃﺎﺑﻮﻟﻰ ,” ﻭﻓﻰ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ ﺻﺒﺎﺣﺎً ﻭﺻﻠﻨﺎ ﻣﻨﻄﻘﺔ ( ﺍﻟﺮﻣﻠﺔ ) ، ﻭﻫﻨﺎﻙ ﻗﺎﺑﻠﻨﺎ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﻴﺔ ﻗﺎﺩﻣﺔ ﻣﻦ ﺗﻠﻮﺩﻯ ﻭﻣﻌﻬﻢ ” ﺗﺮﺍﻛﺘﻮﺭ ” ﻷﺧﺬ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ ﻣﻦ ﺇﺣﺪﻯ ﺍﻟﺤﻔﺎﺋﺮ ﻓﻰ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ , ﻓﺨﻄﻄﻨﺎ ﻟﻜﻤﻴﻦ ( Ambush ) ﻟﻤﻬﺎﺟﻤﺘﻬﻢ ﻭﺍﻹﺳﺘﻴﻼﺀ ﻋﻠﻰ ” ﺍﻟﺘﺮﺍﻛﺘﻮﺭ ,” ﻭﻟﻜﻨﻬﻢ ﻋﻠﻤﻮﺍ ﺑﻮﺟﻮﺩﻧﺎ , ﻓﺄﺣﻀﺮﻭﺍ ﻗﻮﺓ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﻇﻬﺮ ﻋﺮﺑﺔ ” ﻟﻮﺭﻯ ,” ﻭﻓﻮﺭ ﻭﺻﻮﻟﻬﻢ ﺑﺪﺃﻭﺍ ﺑﺈﻃﻼﻕ ﻧﻴﺮﺍﻥ ﻛﺜﻴﻔﺔ ﺗﺠﺎﻫﻨﺎ , ﻓﺒﺎﺩﻟﻨﺎﻫﻢ ﺍﻟﻨﻴﺮﺍﻥ , ﺗﻠﻚ ﻛﺎﻧﺖ ﺃﻭﻝ ﻣﻌﺮﻛﺔ ﻓﻰ ﺣﻴﺎﺗﻰ , ﺇﺳﺘﻄﻌﻨﺎ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﻤﻌﺮﻛﺔ ﺗﺸﺘﻴﺖ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺗﺮﻛﺖ ﻭﺭﺍﺀﻫﺎ ( 11 ) ﻗﺘﻠﻰ , ﺛﻢ ﻭﺍﺻﻠﻨﺎ ﺗﺤﺮﻛﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﻭﺻﻠﻨﺎ ” ﺳﺮﻑ ﺍﻟﺠﺎﻣﻮﺱ ,” ﻭﻓﻰ ﺍﻟﺠﺒﺎﻝ ﺟﻤﻌﻨﺎ ﻋﺪﺩ ﻛﺒﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ ﺃﻏﻠﺒﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺒﺎﺏ ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺠﺒﺎﻝ ﺍﻟﺠﻨﻮﺑﻴﺔ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﻨﺼﻴﺐ ﺍﻷﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ , ﺑﻌﺪ ﺗﺨﺮُّﺟﻬﻢ ﻛﻤﻘﺎﺗﻠﻴﻦ ﻳﺪﻓﻌﻬﻢ ﺍﻟﺤﻤﺎﺱ ﻟﺨﻮﺽ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﻙ، ﺇﺷﺘﺒﻚ ﻣﻘﺎﺗﻠﻮ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﺍﻟﺸﻌﺒﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻮﺑﺔ ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﻣﻌﺎﺭﻙ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻖ ﻋﻮﺩﺗﻬﻢ ﻣﻦ ﺟﻨﻮﺏ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﺒﺎﻝ، ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﻏﺮﺏ ﺍﻹﺳﺘﻮﺍﺋﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﻗﺎﻣﻮﺍ ﺑﺈﺟﻼﺀ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﻣﻦ ﺑﻌﺾ ﺣﺎﻣﻴﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﻴﺔ . ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﻙ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺑﻐﺮﺏ ﺍﻹﺳﺘﻮﺍﺋﻴﺔ، ﻭﺑﺠﺴﺎﺭﺓ ﻓﺎﺋﻘﺔ ﻗﺎﺗﻞ ﻣﻘﺎﺗﻠﻮﺍ ﺍﻟﻨﻮﺑﺔ، ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺩ ﻟﻬﻢ ﺑﺎﻟﺸﺠﺎﻋﺔ، ﻛﺎﻧﺖ ﺛﻮﺭﺓ ﻭﺃﻃﻠﻘﻨﺎ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺇﺳﻢ ﺍﻟﺒﺮﻛﺎﻥ”
(5)
بطلٌ يحمل نعشه ويغني:
ﺑﻤﺴﺘﺸﻔﻰ ” ﻧﻮﺭﻳﺘﺶ ” ﺑﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻴا ﻳﻮﻡ 31 ﻣﺎﺭﺱ 2001، كان القائد يوسف كوة مكي يدرك أن ساعته قد أزفت وفي ذلك الضباب الذي غطى مدن الفرنجة كان القائد يرى بعينين ثاقبتين ان مشواره التحرري يبدأ الآن وأن الثوار سيزلزلون الدنيا ، قام من فراشه واتكأ على سرير الابيض ثم انشد : لوركا يموتُ، ماتْ أعدمه الفاشست في الليل على الفرات ومزقوا جثته، وسملوا العينين لوركا بلا يدين يبثّ نجواه إلى العنقاء والنورِ والتراب والهواء وقطراتِ الماء أيتها العذراء ها أنذا انتهيتْ مقدَّسٌ، باسمك، هذا الموت وصمت هذا البيت ها أنذا صلَّيت لعودة الغائب من منفاه لنور هذا العالم الأبيض، للموت الذي أراه يفتح قبر عائشة يُزيح عن جبينها النقاب يجتاز ألف باب آه جناحي كسرته الريح من قاع نهر الموت، يا مليكتي، أصيح جَفّتْ جذوري، قَطَعَ الحطّاب رأسي وما استجاب لهذه الصلاة أرضٌ تدور في الفراغ ودمٌ يُراقْ وَيحْي على العراق تحت سماء صيفه الحمراء من قبل ألفِ سنةٍ يرتفع البكاء حزنًا على شهيد كربلاء ولم يزل على الفرات دمه المُراق يصبغ وجهَ الماء والنخيل في المساء آه جناحي كسرته الريح من قاع نهر الموت، يا مليكتي، أصيح من ظلمة الضريح أمدُّ للنهر يدي، فَتُمسك السراب يدي على التراب يا عالماً يحكمه الذئاب ليس لنا فيه سوى حقّ عبور هذه الجسور نأتي ونمضي حاملين الفقر للقبور يا صرخات النور ها أنذا محاصرٌ مهجور ها أنذا أموت في ظلمة التابوت يأكل لحمي ثعلب المقابر تطعنني الخناجر من بلد لبلد مهاجر على جناح طائر – أيتها العذراء والنور والتراب والهواء وقطرات الماء ها أنذا انتهيت مقدّسٌ، باسمك، هذا الموت شعر .( عبد الرحمن البياتي) من قصيدة الموت في غرناطة.
(6)
وفي مقبر الشهداء بقرية ( لويري)التي تتوسد الجبال ، ووري القائد الثرى وعندما زرت قبره في العام 2015 سمعته ينشد “القبر بارد يا أمي أرسلي لي قميصاً من الصّوف “
أمي أين قميص الصوف
وطن علمني أبي حبّه
أما زلت بخير يا أبي ؟؟؟
كنت تريد أن أكون طبيباً أو مهندساً أو …
لتبتسم وتقول هذا ولدي !
أنا آسف يا أبي
هو “عقلي الذي رفض رصاصهم
فصوبو نحو قلبي “
ذكرني أسألتك عن حالك …
لا يهم ..
أبي هل أنت بخيــر ؟
أمــاه ماذا حدث لقميص الصوف ..
خيروني بين وطن تحت الحذاء ..
ووطن كنت ُ ارسمه في العاشرة
على دفتر الرسم وألونه بالألوان
أحمر ..أخضر …أزرق ..
اخترت وطن العاشرة
أمي البرد قارص هنا
ماذا حدث لقميص الصوف ..؟؟
أين كنـا
كنــا بالحذاء
قلت لهم عذراً يا سادة
أحب أن أرى بوضوح
والصورة تحت الحذاء غير واضحة
فرموني بالحذاء
أمي ..
أراك بخير ..
لا حاجة لقميص الصوف
بدأت اشعر بالدفء
أو …
أمي أراك هنــاك
أراك فوق
حيث الوطن مازال
(جرجي زيدان)
ملحوظة:
كتبت هذه المقالة أثناء تواجدي في كاودا وتحديداً العام 2017 مابين مارس وأبريل ولم أجد وقتاً لنشرها آنذاك.
ونشرت في 31.مارس .2019