بأي لغة يهطل المطر فوق المدن المُعذبة ” ارونداتي روي “
ترجمة : عناب علمان
الترجمة بوصفها إعادة كتابة
اندريه لوفيفر يصف الترجمة بأنها إعادة كتابة، لرفع مكانة المترجم ولتفادي القصور في مصطلح “ترجمة” نفسه. و يسعى هو و سوزان باسنيت في كتابهما المهم عن الترجمة المعنون ب “ بناء الثقافات “ لبناء الجسور داخل مجالات الترجمة و إِقامة روابط بينّية تقيم الصلة داخل هذا المبحث و مجالات الدرس خارج إطاره، وهو مشروع القرن الحالي في مجال الترجمة بوصفه حقلًا بحثيًا مستقبلًا عند الباحثين باسنيت و لوفيفر اللذان قطعا شوطًا طويلًا في هذا المشروع منذ ثمانينيات القرن الماضي لكي تتخذ دراسات الترجمة توجها ثقافيًا و أن يتجه الباحثون نحو دراسات ثقافية لبناء ثقافات مشتركة ولكي نكتشف الآخر من خلال اللغة بواسطة الترجمة، فمن الآن وصاعدًا سوف تقوم الترجمات بحلول محل الأصول، كما يزعم الباحثان.
وبما أننا جميعًا – إلى حد ما – اكتسبنا حبّ الأدب من خلال قراءتنا لأعمال وقصص وروايات هي في الأصل ليست مكتوبة بلغتنا الأم، يكاد كل سؤال جدلي حول الترجمة أو قيمتها أنّ يكون بلا معنى.
لكن هل يمكن فعلًا ترجمة لغة ما إلى أخرى؟ رغم أن هذا سؤال بلا طائل، لنفس السبب؛ ما دمنا أحببنا بشدة عملًا هو في الأصل غير مكتوب بلغتنا الأم. أجاوب على هذا السؤال، إنطلاقًا من تجربة شخصية بقراءات ثنائية لنفس الأعمال في لغتها الأم وأخرى مترجمة إليها أولًا و ثانيًا في محاولات لترجمة بعض النصوص الأدبية بأنني لا أعتقد ذلك بشكل حرفي. و من ثم ما الذي يُفقد – إبداعيًا – عندما نترجم نص ما أو عمل ما إلى لغة أخرى؟ لا شيء، إن كنّا أمام عملٍ تُرجمَ بصورة تنمّ عن مهارة فريدة للمترجم في نقل روح النص ،وأقول دومًا لإصدقائي، أنني نقلت هذا النص إلى العربية من خلال تخيّلي لإسلوب الكاتب الفعلي للنص فيما لو كانت اللغة العربية لغته الأم، و هذا بالطبع تخيُّل ناتج عن معرفة مسبقة بإسلوب الكاتب في لغته وبمعرفتي للغتي الأم؛ لذلك لا أستطيع الجزم أن ترجمة لغة ما ممكنة، لأن اللغة ليست ثُنائية بل إنفرادية، و كل ترجمة ما ليست سوى نفس روح السرد لكن بلغة مختلفة.
في العام ٢٠١٨ استضاف معهد جي سيبالد الكاتبة الهندية أرونداتي روي لإلقاء محاضرة سنوية عن الترجمة الأدبية، عنوان المحاضرة الذي اختارته روي هو شذرة من كتاب التساؤلات لبابلو نيرودا :” بأي لغة يهطل المطر فوق المدن المعذبة؟” و بعد حديث طويل عن اللغة الأم و اللغة بوصفها سلطة و اللغة التي تطعَّم بلغة أو لغات أجنبية أخرى و الانفصام الثقافي الذي يحدث جراء ذلك والترجمة و تحديدًا ترجمات رواية وزارة السعادة القصوى في أكثر من ثمانية و ثلاثين لغة مختلفة،الرواية التي تقول روي بأنها كتبتها بلغات كثيرة داخل عقلها منها الإنجليزية و الأوردية و الملالايامية،و بسرد تاريخ اللغات الطويل المتنوع في بلد الكاتبة تجاوب روي على سؤال نيرودا الشائك تحت تهديد الخوارزميات بعد ما قال لنا الذكاء الاصطناعي اليوم بأنه يستطيع أن يكتب أعمال أدبية مميزة بلغات مختلفة ترجمتها لأعمال أدبية في لغات أخرى مختلفة أيضًا: ان المطر يهطل فوق المدن المعذبة فقط بلغة الترجمة.
لتحميل الملف كاملًا إضغط هنا : بأي لغة يهطل المطر فوق المدن المعذبة؟