الدولة والشرعية، حكومة منفى أم مشروع إنفصال؟تحالف علمانية البندقية مع ديمقراطية المليشيا القبلية

 

عبدالله بشير

يعيش السودان الآن لحظة مفصلية في تاريخه السياسي والإجتماعي، ويخوض حربًا لم يشهدها من قبل، أوجدت إنقسامًا سياسًا وإجتماعيًا، هو الأعمق في تاريخه، وفتحت الحرب بابًا واسعًا لجدال قد يطول حول كيفية التوصل إلى سلام يتناسب مع حجم التضحيات والخسائر التى أحدثتها الحرب؛ كما أن هذه الحرب أدخلت مفهوم جديد في القاموس السياسي السوداني إن جاز التعبير؛ فيما مضى كان العقل السياسي السوداني ينصب ويعمل على إصلاح الخلل البنيوى للدولة الوطنية التي قامت بعد خروج المستعمر، بحيث تستوعب التعقيدات السياسية الوطنية الداخلية، المتعلقة بالحكم وإدراة التنوع، والهوية وقضية الدين والدولة وغيرها من القضايا، أما الآن فنحن أمام عقل سياسي جديد ومختلف تمامًا، يروج لفكرة القضاء على الدولة نفسها ككيان، دولة 1956م، تاريخ إستقلال البلاد، ليحل محلها دولة آخرى موجودة في مخيال دعاتها، وهي فكرة في غاية الخطورة، لاينبغي أن تصدر من العقل السياسي المناط به إيجاد الحلول للمعضلات الوطنية.

الدولة لم يؤسسها خصومنا السياسين، أو الأيديولوجيين، حتى يتم القضاء عليها، الدولة كيان تاريخي قديم قائم على الخبرة الإنسانية الطويلة. صحيح أن وأقع تشكلها لم يأتي مطابقًا للتصور المثالي بشأنها، لأنها ضمت داخل أقاليمها جماعات من أصول ومركبات مختلفة غير متجانسة، وهو إشكال ظل يواجه جميع الدول إلى يومنا هذا. لكن لم يتوقف العقل السياسي من البحث عن حلول لتلك التعقيدات. وتطورت الفكر السياسي عبر الممارسة والتجريب على مدى عقود طويلة من الزمن، راكمت فيها البشرية خبرات كثيرة، ساهمت بصورة فعالة في تطوير الفكر السياسي، وفي إنتاج أفكار وأنظمة حكم مختلفة للتعامل مع إشكاليات وتحديات الدولة ذات السيادة.عملت النُخب السياسية للعديد من البلدان على مواجهة وأقع بلدانهم وتحول تلك التعقيدات إلى فرص إيجابية ونجحوا في بناء أوطانهم وتوطيد ركائز الحكم الرشيد فيها، وحماية الحقوق والحريات الأساسية لمواطنيهم. والبعض الأخر فشل في ذلك وإنحرف نحو نزاعات أهلية وعرقية مزقت بلدانهم ودمرتها. أما النخبة السياسية الوطنية في السودان وصل بها العجز إلى المطالبة بتدمير وتحطيم الدولة وتشليعها، وتعتبر هذه أسوء مراحل البؤس واليأس في العقل السياسي المعاصر للدولة السودانية.

الدولة ليست مجرد إعلان سياسي من مجموعة من الأشخاص والكيانات، لديها وجهة نظر في إدارة بلدها، بالتالي تذهب لإنشاء دولة خاصة بها، والدعوة للقضاء عليها، دعوة معطوبة لا تصدر إلا من عقل يجهل ماهية الدولة. تتكون. بالتأكيد، الدولة الوطنية في السودان شهدت تقلبات سياسية كثيرة، حيث قامت عدة حكومات في العهد الوطني، بتوجهات سياسية وإيديلوجية مختلفة، ودارت نقاشات وخلافات طويلة حول المسألة الوطنية المتعلقة بالحكم وإدراة التنوع. هنالك من الجماعات السياسية الوطنية من إستعصم بالعمل السياسي المتجرد لإصلاح منظومة الدولة، وهنالك من لجاء إلى الانقلابات العسكرية والإحتماء وراء الجيش، و هنالك من حمل السلاح ضد الدولة للتعبير عن مظلمته، وحتى خيار حق تقرير المصير والإنفصال تم تجريبه كما في حالة جنوب السودان سابقًا، وكان يعتقد أن الإنفصال سوف يضع حدًا لنهاية حالة عدم الإستقرار والنزاعات التي تشكلت في مرحلة ما بعد الإستعمار. لكن إتضح لاحقًا أن الإنفصال كان خطًأ جسيمًا لكلا الدولتين. الشمال الذي كان ينظر بأنه تخلص من عبء الجنوب التاريخي، المختلف عنه في الثقافة واللغة والدين، وجد نفسه أمام حقيقة لا مفر منها، أن الأشكال لم يكن الجنوب، إنما الإشكال يكمن في كيفية تطوير نظام حكم يدير هذا البلد المتنوع، أما الجنوب الذي توحد أثناء سنوات النضال ضد الدولة المركزية، بعد الإنفصال، تكشفت له الحقيقة وبانت الإختلافات في المجتمع، وبرزت أسئلة الدولة، وإرتفع الشقاق بين أبناء الوطن، وسرعان ما إنهدر هو الآخر إلى حرب داخلية دموية، لا زالت آثارها تهدد وجود كيان الدولة.

إمعانًا في السير نحو الحلول الخاطئة والمدمرة، هنالك جماعة ترى أن الحل يكمن في منازعة الدولة الوطنية في شرعيتها، بأعلان حكومة موازية في المناطق التي تحتلها مليشيا الدعم السريع، ويقف مع الدعم السريع في هذا التوجه بعض المجموعات السياسية والحركات المسلحة، التي كانت تقاتل من أجل بلد ديمقراطي، والدعم السريع لم تكن من تلك الجماعات التي قامت على ميثاق سياسي، وإنما هي مليشيا قبلية تديرها أسرة حمدان دقلو، أنشاءها النظام السابق، وجعلها منظومة عسكرية قائمة بذاتها، لمكافحة التمرد الداخلي، وهي سياسة خاطئة إتبعتها الدولة المركزية لمحاربة الجماعات السياسية المسلحة، بخلق مليشيا قبلية من نفس الجغرافيا وتسليحها، وتعبئتها ضد القبائل التي ينتمي إليها القادة السياسين المناوئين للدولة، مستفيدة من التناقضات القبلية والصراعات والضغائن التاريخية بين الجماعات العرقية في تلك المناطق؛ فليس للدعم السريع قضية سياسية يناضل من أجلها، ولا قائدها يملك أيّ رؤية سياسية لمعالجة خلل الدولة، هي عبارة مجموعة أجيرة تقدم خدماتها لمن يدفع، إستخدمها البشير أولاً في محاربة الجماعات السياسية المسلحة، ثم باعها كمرتزقة في حرب اليمن، ولاحقا جعلها يده اليمني لحماية حكمة، ويستخدمها اليوم وكلاء الإستعمار الجديد.

إن الحكومة المزمع تشكيلها لا تقوم على أساس مفهوم الدولة؛ بهياكل سلطة معلومة، بموجبها يتم تحديد العلاقات الراسية والأفقية، بين الشعب والحكومة، ويكون فيها الترتيب الوظيفي قائم على الإحلال والإبدال. هذا المفهوم لاينطبق مع طببعة تكوين الدعم السريع القائمة على الولاء الشخصي لقادته، والدولة تقوم على إقتصاد منظم، مصانع، شركات، أعمال تجارية، إستثمارات وتبادل تجاري بين الدول، وهذا المفهوم أيضا يختلف عن طبيعة الدعم السريع الذي يعتمد على الإقتصاد النهبوي، وفرض الإتاوات في المناطق التي يحتلها، وهو نموذج لا يمكن أن يشكل اقتصادًا قابلاً للحياة أو يجذب إستثمار. إذا كان دولة (56) بمؤسساتها الراسخة التي يمتد عمرها الوطني لسبعة عقود فشلت في كثير من الأحيان في جذب استثمارات كبيرة تسهام في تنمية الدولة، بسبب تخوف الدول والشركات الكبيرة من وضع أموالها في بلد غير مستقر سياسًا؛ فهل من عاقل يستثمر أمواله في مناطق تديرها مليشيا قبلية لا تعترف بالقانون، ومنهجها قائم على العنف، ولا تملك أيّ خبرة في إدارة الدولة أو تقديم الخدمات.

الدول تمارس سيادتها على أساس الإعتراف، من قبل المؤسسات الدولية والحكومة المزمع تشكيلها تتطلب الإعتراف من المجتمع الدولي، والمجتمع الدولي حسم أمره منذ بداية الحرب وأعترف بالسلطة الحالية التي تتخذ من بورتسودان مقرًا لها؛ كدولة ذات سيادة ويتعامل معها على هذا الأساس. سفراء السودان في كل الدول التي بها بعثات دبلوماسية يمارسون أعمالهم ويمثلون الدولة رسميا. جواز السفر السوداني هو الوثيقة المعترف بها، وأظن حتى بعض قادة المليشيا وأسرهم وداعميهم من الجماعات والكيانات يتحركون بوثائق سفر دولة (56)؛ كما أنه من المستبعد في الوقت الراهن أن يكون هنالك دولة تحترم نفسها تعترف بحكومة تشكلها مليشيا متورطة في جرائم خطيرة وإنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وجرائم تطهير عرقي وإبادة جماعية، والجرائم ضد الإنسانية، كل هذه الجرائم موثقة، من قبل أرفع المؤسسات الدولية وتمت إدانتها، ذلك ما يجعل دعم أيّ حكومة تشكلها هذه المليشا المتمردة محفوفًا بالمخاطر بل ومحرجًا لأىّ دولة تسير في ذلك الطريق.

حاولت العديد من الجماعات السياسية المعارضة لدولها، في الماضي والحاضر، إنشاء حكومات موازية، حتى تتمكن من الحصول على الدعم الدولي، وتيسير المعاملة مع العالم الخارجي. لكن جميعها فشلت في ذلك. إذا نظرنا فقط في جوار السودان سوف نجد ليبيا؛ كأصدق مثال على ذلك. بعد سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي، إنقسمت الجماعات السياسية داخل البلد، ونتيجة لذلك إنقسمت البلاد إلى حكومتين، الأولى في طرابلس والثانية في بنغازي، حظيت الأولى بالإعتراف الدولي من الأمم المتحدة، وأصبحت ممثلة دولة ليبيا في المحافل الدولية والمعترف بها شرعيًا، بموجب ذلك مارست سيادتها على الدولة. أما الجنرال المتقاعد من الجيش الليبي خليفة حفتر الذي يقف على رأس الحكومة الموازية لم ينال الإعتراف، من المجتمع الدولي، بالرغم من انه حظي هو الآخر بدعم لا محدود من دولة الإمارات العربية المتحدة، لكن نسبة لعدم حصوله على الشرعية ظل هكذا دون أيّ تأثير يذكر، وتحول في نهاية المطاف إلى مرتزق أكثر من كونه رجل دولة. وهنالك العشرات من النماذج التي حاولت إنشاء حكومات موازية للدولة الشرعية المعترف بها دوليا. لكن جميعها في نهاية المطاف فشلت في تقديم أيّ خدمات حقيقية للمواطنين، وفي نهاية المطاف معظمها تحول الى عصابات نهب ومجموعات إرتزاق.

اذا كانت كل الدلائل تشير إلى فشل الحكومة الموازية التي من المزمع تكوينها في مناطق سيطرة المليشيا؛ فلماذ تصر هذه الجماعات على تكوينها؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد من الوقوف على التحولات التى صاحبت تدشين ما تم تسميته بالميثاق التأسيسي، توطئة لتشكل الحكومة الموازية، وذلك بظهور رئيس الحركة الشعبية-شمال (عبدالعزيز الحلو). الذي يقود حركة كفاح مسلح يتركز ثقلها في إقليم جنوب كردفان جبال النوبة، وترجع الجزور التاريخية للحركة إلى الحركة الشعبية (الأم) التي أسسهها الراحل الدكتور جون قرنق في ثمانينيات القرن الماضي، وكانت تنادي بضرورة حكم السودان على نحو يعالج جميع المسائل الوطنية الخلافية ويستوعب التنوع السوداني. ونتيجة لمعطيات كثيرة، وتجاوبًا مع مقتضيات الوقائع الصعبة والمعقدة، كما في حالة كوسوفو و ارتريا تم منح جنوب السودان حق تقرير المصير، وبموجب ذلك إنفصل الجنوب عن السودان في العام 2011م، وكون دولته المستقلة.

لم تنتهى المسألة الوطنية بإنفصال جنوب السودان، كانت هنالك قضايا تخص قوميات وشعوب ناضلت مع جنوب السودان وهي قضايا حقيقية وعادلة ، تتطلب الإعتراف وإيجاد حلول مستدامة لها، وبدلًا عن معالجة تلك القضايا، والإعتراف بالتنوع السوداني، لجأت الدولة المركزية إلى ما اعتادت عليه دومًا، القضاء على المناوئين لها عسكريا عبر الحرب، دخلت تلك المناطق مرة أخرى في الحرب ضد الدولة المركزية، وعندما وضعت المسألة في منضدة التفاوض، إشترط عبدالعزيز الحلو إدراج حق تقرير المصير لشعب جبال النوبة، ولاحقا النيل الأزرق بعد أن إنحاز فصيل صغير من النيل الأزرق لتلك الفكرة. ظلت القضية مثار خلاف داخل الحركة نفسها لوقت طويل، لأن القائد مالك عقار رئيس الحركة الشعبية وقتها، وكان عبدالعزيز الحلو نائبه، رفض فكرة حق تقرير المصير، وطالب بدلًا عن ذلك بالحكم الذاتي الإقليمي لشعبي النيل الأزرق وجنوب كردفان، ضمن وحدة السودان، مستندًا على جملة من الحقائق الموضوعية والمنطقة، أصر عبدالعزيز الحلو على مطلبه ذاك، وفي نهاية المطاف عندما فشل في تمرير تلك المسألة داخل الحركة لعدم الإتفاق حولها، في العام 2017م قاد انشقاقًا دمويًا داخل الحركة، ونصب نفسه رئيسا لفصيله الإنفصالي.

بعد إنشقاق الحركة إصطدم دعاة حق تقرير المصير بالحقائق الواقعية، ليس فقط بالتعقيدات الاثنية والجغرافية والتاريخية لتلك المناطق المراد فصلها، بل بالقانون الدولي ومواثيقه التي تنظم الشرعية الدولية؛ حيث أن مبدأ حق تقرير المصير الذي يستند إليه في حالة طلب الإنفصال، ليس مبدأً مفتوحًا هكذا، لكل جماعة أو منطقة متى ما شاءت أن تطلب حق تقرير المصير أو الإنفصال، وإنما هنالك قواعد ومبادئى يهتدي بها في هذه المسائل، بل أن نصوص القانون الدولي نفسها غير قطعية فيما يتعلق بحق تقرير المصير، بالرغم من النص على مبدأ حق تقرير المصير كحق، إلا أنه يتم التعامل مع ذلك النص من وجهة نظر سياسية أكثر من كونها نصوص قانونية ملزمة للدول، وعند إلقاء النظر على نصوص القانون الدولي نجد أن أول إشارة لحق تقرير المصير ورد في ميثاق الأمم المتحدة عام 1945م، ولكن ليس بالقوة أو الوضوح الذي يجعل منه قاعدة من قواعد القانون الدولي، وكانت هذه الإشارة مرتبطة بالشعوب، (بأن يكون لكل منها تقرير مصيرها)، أما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948م، لم يتضمن أيّ إشارة حول مبدأ حق تقرير المصير، بل ركز على الحقوق الفردية للأشخاص، وجاء النص بصورة أوضح في إعلان منح الإستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة، القرار رقم (1514)، عام 1960م، جاء صريحًا و وأضحًا في حق الشعوب لتأكيد مصيرها، وتم تحويل هذا المبدأ إلي حق عام، و منذ ذلك الحين أصبح حق تقرير المصير مرتبطًا بأنهاء الاستعمار، ويعبر عن حق إنفصال المستعمرات عن الدولة المستعمرة-حق الشعوب المستعمرة بالاستقلال، وكان هذا التعريف منفذًا مناسبًا للدول لحماية وحدتها وسيادتها من المطالبات الداخلية للانفصال، وأصبح حق تقرير المصير يعني الاستقلال من الاستعمار، أيّ حق تقرير المصير الخارجي، وحتى تلك الاستثناءات القليلة التي طبق فيها حق تقرير المصير بعد إنتهاء حقبة الإستعمار، كانت مرتبطة بطريقة أو بأخرى بتلك الحقبة.

منذ 2017م، بعد إنشقاق الحركة ظلت القضية تراوح مكانها، دون تقدم يذكر، خفض تداول موضوع تقرير المصير حتى من المجموعات التي ساندت تلك الفكرة في البداية. إلى أن تجدد الموضوع مرة أخرى بعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، حيث تجددت الآمال بأن سقوط النظام السابق قد يفتح الباب وأسعًا لمعالجة المسألة الوطنية؛ وبالفعل دخلت جميع الفصائل المسلحة في مفاوضات سلام جادة مع الحكومة الإنتقالية إنتهت بتوقيع إتفاق جوبا لسلام السودان ٢٠٢٠م، ولم يتخلف عن ذلك إلا عبدالعزيز الحلو، وعبدالواحد نور، الذي يقود هو الآخر حركة جيش تحرير السودان في إقليم دارفور، وإشترط الحلو للدخول في المفاوضات مع الحكومة الإنتقالية ضرورة تضمين علمانية الدولة بالنص عليها كمبدأ فوق دستوري، أو حق تقرير المصير لشعب جنوب كردفان، وقد بذلت الحكومة آنذاك جهود كبيرة لآقناع الحلو بقبول التفاوض وتأجيل بعض المطالبات لحين عقد المؤتمر الدستوري وإعطاء الأولوية لإيقاف الحرب أولاً، حتى أن رئيس الوزراء لإثبات حسن النوايا زاره في كاودا مقر إدارة عملياته العسكرية، إلا أن تلك المساعي لم تكلل بالنجاح.

ومن ضمن مآخذ عبدالعزيز الحلو على إتفاقية جوبا لسلام السودان، في معرض نقده لها، قوله: أنها أغفلت عن النص على مصير مليشيا الدعم السريع، بدون الإشارة إلي دمجها في الجيش أو تفكيكها، وكان يرى على أن تركها جزء من المنظومة الأمنية للدولة خطاءً فادحًا لم يشارك فيه؛ حتى أنه رفض الجلوس مع حميدتي عندما كان نائب رئيس مجلس السيادة ومسؤول التفاوض من قبل الحكومة، في طاولة وأحدة لمناقشة قضية السلام، وفي نهاية المطاف وأفق على مضض بعد تدخل الرئيس سلفاكير ميارديت رئيس جنوب السودان، من المثير للدهشة أن يظهر عبدالعزيز الحلو برفقة قائد ثاني الدعم السريع عبدالرحيم دقلو في داخل قاعة الجلسة الافتتاحية للتوقيع على الميثاق التأسيسي، وفي خطابه أمام الحضور نادى قائد المليشيا بالرفيق حمدتي! وكانت قطاعات وأسعة من اليسار ودعاة الدولة العلمانية، تعتقد أن بندقية الحلو هي المخلص من قبضة المركز، ودعمت مشروعه السياسي كحل جزري للمسألة الوطنية، وطوال سنوات الحرب أسس الحلو مدرسة سياسية وفكرية إتجهت نحو منهج التحليل الثقافي، القائم على تفسير الظلم الواقع على المهمشين من منظور ثقافي هوياتي، وهذا المنهج يصنف المليشيا التي تحالف معها الآن كجزء من أدوات الهيمنة من المركز الإسلامي العروبي.

يبدو جليًا أن هذا التحول السياسي والفكري يشير بوضوح إلى أن الحلو قد وجد ضالته الانفصالية بالتحالف مع هذه المليشيا المدعومة خارجيًا، وبات من الواضح أن ذلك هو الأرجح؛ لقد كشف زعيم حزب الأمة اللواء متقاعد فضل الله برمة ناصر ذلك التحالف بكل وضوح عندما ذكر في حديثه في الجلسة الافتتاحية للتوقيع على الميثاق التأسيسي: أن قائد ثاني الدعم السريع عبدالرحيم دقلو، هو الذي تحمل مصاريف نقل جماعة الحلو من مجاهيل كردفان إلى العاصمة الكينية نايروبي. أصبح وأضحًا أن الحلف الداعم لتقسيم السودان قد وجد الفرصة الذهبية لغسيل جرائم مليشيا الدعم السريع التي تعاني من سمعة سيئة، عبر المشروع الانفصالي لعبدالعزيز الحلو؛ فقائد المليشيا حمدتي وشقيقه قائد ثاني المليشيا عبدالرحيم وشقيهم الثالث المسؤول الاقتصادي القوني، جميعهم مفروض عليهم عقوبات من دول الغرب، بسبب تورطتهم في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وأنتهاكات ضد المدنيين، شملت أعمال عنف وإنتهاكات ضد حقوق الإنسان ومذابح للمدنيين وقتل على أساس عنصري، وعنف جنسي وإغتصاب. وتمتد هذه العقوبات لتشمل المؤسسات المالية والأشخاص الآخرين الذين يشاركون في معاملات أو أنشطة معينة مع الكيانات والأفراد الخاضعين للعقوبات قد يعرضون أنفسهم للعقوبات، ويشمل أيضا تقديم أيّ مساهمة أو توفير أموال أو سلع أو خدمات من قبل أي شخص، أو تلقى مساهمة أو توفير أموال أو سلع أو خدمات من أيّ شخص. المنطق يقول أنه ليس هناك صاحب مشروع سياسي وفكري يهدف إلى بناء دولة يجازف بالتحالف مع مليشيا قبلية تديرها أسرة وأحدة، ولها تاريخ طويل وحافل بالعنف والقتل والانتهاكات وثلاث من أرفع قيادتها تحت طائلة العقوبات الغربية، دون أن يكون قد حصل على ضالته التي يبحث عنها، وهي الإنفصال، مقابل غسيل جرائم مليشيا الدعم السريع.

من الناحية الواقعية نجد أن تشكيل حكومة موازية ليس لديه تأثير، وسوف تكون حكومة من دون سيادة، ولا تملك القدرة الحقيقية على الحكم، ولن توفر السلام، كما يقول دعاتها، بل ستسعى إلى توفير السلاح وتوسع الدمار، ومحاولة توفير قطاع دبلوماسي تحتي لتدفقات الأموال عبر تهريب المعادن، ما يفاقم ويعمق معاناة الشعب السوداني، ويعزز الانقسام داخل السودان. وقد تكون هذه الخطوة تكتيكية لابتزاز الدولة السودانية، و وضعها أمام خيارين “اما قبول شروطنا أو الإنقسام”، وهي خطوة في غاية الخطورة؛ نجد أنه عندما وضع حق تقرير المصير في مفاوضات نيفاشا للسلام في كينيا عام 2005م، كان الكثيرين يعتقدون أن ذلك لن يؤدي إلى إنفصال الجنوب، وإنما وضع ذلك الحق لتطمين الجنوبيين من مخاوفهم، والعمل على جعل خيار الوحدة هو الأفضل للجميع. لكن فيما بعد حدثت متغيرات لم تكن في الحسبان مثّل الوفاة المفاجئه للدكتور جون قرنق، وصعود القوميين الجنوبيين وتمكنهم من قيادة الحركة من ناحية. وسيطرة الجناح المتطرف من القوميين الشماليين على أجهزة الدولة، من ناحية أخرى، قاد إلى إنفصال الجنوب.

يمكن القول أن الشعب السوداني نجح حتى الآن بوقوفه خلف مؤسساته الشرعية، في التصدي لمحاولة المليشيا السيطرة على السودان بقوة السلاح، كما تم الحفاظ على مظاهر الدولة بالرغم من الأضرار الكبيرة التي تعرض لها الكثيرمن المؤسسات، وهنالك تقدم عسكري وأضح من قبل القوات المسلحة بأستعادتها مناطق عديدة كانت تحت سيطرة المليشيا. تبقى بلورة رؤية سياسية وأضحة نحو المستقبل، تتجاوز العقلية الهتافية العاطفية، عقلية التسعينيات، التي وضعت السودان في هذه الكارثة. الإنتصار الحقيقي هو الخروج من هذه الحرب بدولة موحدة وذات سيادة وجيش وأحد ومنظومة أمنية ذات كفاءة عالية، ومؤسسات خدمة مدنية قوية. وتحقيق ذلك مرهون بالتعامل الجاد مع مخاوف الدولة الغربية ودول الجوار التي لديها تحالف إستراتيجي مع الغرب.

المبعوث الأمريكي السابق للسودان وجنوب السودان السيد دونالد بوث تناول تلك المخاوف في مقال له نشرت يوم 19 فبراير في Africa up close. تناول فيها بصورة وأضحة مخاوف الولايات المتحدة التي تحدد مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، ويمثل عودة الإسلاميين وانصار نظام الإنقاذ إلي السلطة أهم تلك المخاوف، وأن ذلك يعني عودة الإرهاب بقوله” أن الحرب الحالية في السودان تشكل تحديدً خطيراً محتملا لمصالح الولايات المتحدة، ويشكل أبرزها خطر عودة الإرهاب، النظام الإسلامي الذي حكم السودان لمدة ثلاث عقود حتى هام 2019م، إستضاف أسامة بن لادن وغيره من المنظمات الإرهابية، التي استهدفت الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن السودان خطط تنظيم القاعدة على الهجمات التي استهدفت سفارات الولايات المتحدة في شرق أفريقيا عام 1998م، والمدمرة الأمريكية يو أس أس كول عام 2000م، أنهت الثورة الشعبية عام 2018-2019 م ذلك النظام”. وأشار في نفس المقال إلى حلفاء الغرب في المنطقة الذين لديهم أيضا مخاوفهم ومصالحهم ودورهم في إنهاء الصراع. من الجيد إنه اعترف بأن الجيش السوداني يتمتع بدعم قوى من الشعب السوداني الذي يرى فيه القوة التي تحميه من بطش و وحشية المليشيا، وأقر بضرورة وجود جيش وأحد وحكومة مدنية ديمقراطية تقود البلاد، وهي رغبة قطاع واسع من الشعب السوداني. لم يقل صراحة في حال عدم التعامل مع مخاوفهم تلك، أنهم سوف يدعمون خيارات معادية، لكن يفهم ذلك من سياق الكلام؛ هذه أيضا من المعارك السياسية والدبلوماسية التي تنتظر القوى السياسية الوطنية التي إنحازت و وقفت مع خيار بقاء الدولة ومؤسساتها، والنجاح في فتح صفحة جديدة مع الغرب قائمة على المصالح المشتركة، وتعالج مخاوفهم تلك، يعني القضاء على مشروع المليشيا وحلفائها والقضاء على مشروع الانفصاليين والإستعمار الجديد.

هذه الحرب وضعت الشعب السوداني والدولة السودانية أمام إمتحان عصيب، رغم كل هذه الآلام والجراحات ينبغي المضي قدمًا إلى الأمام، ومواصلة الدفاع عن وحدة السودان، والحفاظ على سيادة الدولة وإستقلال قرارها السياسي. وفتحت الفرصة للشعب السوداني في بناء إجتماع سياسي جديد يتجاوز مسألة تسيس القبيلة وعرقنة الصراع السياسي أو إلباس الصراع ثياب الدين. لم يجمع السودانيين حكايات تكونية أو نضال مشترك بينهم كشعب وأحد حتى في مرحلة الإستقلال، هذه الحرب جعلت ذلك ممكنا، رأينا كيف يفرح الشعب عند الإنتصارعلى المليشيا في الفاشر أو أم روابة أو كادقلي أو الجيلي. ذلك الوجدان المشترك رفع قيمة الوطن عند قطاع وأسع من الشعب السوداني، وقيمة ماهية الدولة والأمن والإستقرار والسيادة الوطنية. وخلقت إجماع شعبي كبير حول الدولة ومؤسساتها على عِلاتها المعترف بها، وهذه التضحيات الجسام التي يقدمها الشعب السوداني، يجب ان تترجم كمبادئي ومفاهيم أساسية لحياتنا و وجودنا كشعب عزيز ومكرم في بلده.

زر الذهاب إلى الأعلى